ابراهيم بن محمد البيهقي
122
المحاسن والمساوئ
لبعض جواريه : انظري هلا تحرك أمير المؤمنين ، فجاءت الجارية حتى فتحت الباب ومعاوية قاعد في حجره مصحف وبين يديه جارية تصفح عليه ، فأخبرت يزيد بذلك ، فجاء يزيد حتى دخل على معاوية ، فقال : يا بني إنما جعلت بيني وبينك بابا كما بيني وبين العامة لتدخل علي وقت إذنك فهل ترى أحدا يدخل علي من ذلك الباب ؟ قل : لا ، قال : فكذلك إذنك . وذكروا أن موسى الهادي دخل على المهدي وهو خليفة فزبره الحاجب وقال : إياك أن تعود إلى مثلها إلا بإذن أمير المؤمنين لخاصته . وذكروا أن المأمون لما اشتد به الوجع سأل بعض بنيه الحاجب أن يدخله عليه ليراه ، فقال : لا واللّه ما لي إلى ذلك سبيل ولكن إن شئت أن تراه من حيث لا يراك فاطلع عليه من ثقب ذلك الباب ، فجاء حتى اطلع عليه وتأمله وانصرف . وحكي عن إيتاخ أنه بصر بالواثق في حياة المعتصم واقفا في موضع لم يكن له أن يقرب منه ولا أن يقف به فزبره وقال : تنح فو اللّه لولا أني لم أتقدم إليك لضربتك مائة سوط . وكانت الأعاجم تقول : ما شيء بأضيع للمملكة ولا أضيع للرعية من صعوبة الحجاب ، ولا شيء أهيب للرعية من سهولة الحجاب ، لأن الرعية إذا وثقت من الوالي بسهولة الحجاب أحجمت عن الظلم ، وإذا وثقت منه بصعوبة الحجاب هجمت على الظلم وركب القوي منهم الضعيف ، فخير خلال السلطان سهولة الحجاب . قال : وقال خالد بن عبد اللّه القسري : لا يحجب الوالي إلا لثلاث خصال : إما رجل عيّ « 1 » فهو يكره أن يعرف الناس منه ذلك ، وإما رجل مشتمل على سوأة يكره أن يطلع الناس على ذلك فيه ، وإما رجل يكره مسألة الناس إياه . قيل : واستأذن أبو سفيان بن حرب على عثمان بن عفان ، رحمه اللّه ، فحجبه ، فقيل له : حجبك أمير المؤمنين ، فقال : لا عدمت من قومي من إذا شاء حجبني . قال : وقال الرشيد لبشر بن ميمون لما ولاه الحجبة : يا بشر صن طلاقة اسمك بحسن فعلك وأحجب عني من إذا قعد أطال وإذا طلب أجال فكره ، ولا تستخفن بذوي المروءة والحرمة فإنهم إن مدحوا تلبوا وإن ذموا أزالوا . وذكروا عن الربيع الحاجب أن المنصور دعا محمد بن عيسى بن علي إلى الغداء فقال : يا أمير المؤمنين قد أكلت ، فلما خرج أخذه الربيع وحمله على ظهر رجل وضربه كما يضرب
--> ( 1 ) عي : ضعيف الرأي .